عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
208
اللباب في علوم الكتاب
والثاني : أن تكون شرطية ، بمعنى « إن » نقله أبو البقاء « 1 » . وليس بظاهر ؛ لأنه يكون حينئذ من باب اعتراض الشرط على الشرط ، فيكون الثاني قيدا في الأول ؛ نحو : « إن تأت إن تحسن إليّ أكرمك » أي : إن أتيت محسنا ، وكذا في الآية الكريمة : إن طلّقتموهنّ غير ماسّين لهنّ ، بل الظاهر : أنّ هذا القائل إنما أراد تفسير المعنى ؛ لأنّ « ما » الظرفية مشبّهة بالشرطيّة ، ولذلك تقتضي التعميم . والثالث : أن تكون موصولة بمعنى « الّذي » ، وتكون للنساء ؛ كأنه قيل : إن طلّقتم النّساء اللّائي لم تمسّوهنّ ، وهو ضعيف ، لأنّ « ما » الموصولة لا يوصف بها ، وإن كان يوصف ب « الّذي » ، و « الّتي » ، وفروعهما . وقرأ الجمهور : « تمسّوهنّ » ثلاثيّا وهي واضحة ؛ لأن الغشيان من فعل الرجل ؛ قال تعالى حكاية عن مريم وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [ مريم : 20 ] . وقرأ حمزة « 2 » والكسائيّ في الأحزاب « تماسّوهنّ » من المفاعلة ، فيحتمل أن يكون « فاعل » بمعنى « فعل » ك « سافر » ، فتوافق الأولى ، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة ؛ كما قال تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [ المجادلة : 3 ] ، وأيضا : فإنّ الفعل من الرجل والتمكين من المرأة ، ولذلك قيل لها زانية ، ورجّح الفارسيّ قراءة الجمهور ؛ بأنّ أفعال هذا الباب كلّها ثلاثيّة ؛ نحو : نكح ، فرع ، سفد ، وضرب الفحل . قال تعالى : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ [ الرحمن : 74 ] ، وقال : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ [ النساء : 25 ] ، وأمّا قوله في الظّهار : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [ المجادلة : 3 ] فالمراد به المماسّة التي هي غير الجماع ، وهي حرام في الظهار . قوله : « أو تفرضوا » فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه مجزوم عطفا على « تمسّوهنّ » ، و « أو » على بابها من كونها لأحد الشيئين ، قاله ابن عطيّة . والثاني : أنه منصوب بإضمار « أن » عطفا على مصدر متوهّم ، و « أو » بمعنى « إلّا » ، التقدير : ما لم تمسّوهنّ إلا أن تفرضوا ؛ كقولهم : « لألزمنّك أو تقضيني حقّي » قاله الزمخشريّ . والثالث : أنه معطوف على جملة محذوفة ، تقديره : « فرضتم أو لم تفرضوا » ، فيكون هذا من باب حذف الجزم وإبقاء عمله ، وهو ضعيف جدّا ، وكأنّ الذي حسّن هذا كون لفظ « لم » موجودا قبل ذلك .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 99 . ( 2 ) انظر : السبعة 183 - 184 ، والحجة 2 / 336 ، والعنوان 74 ، وحجة القراءات 137 - 138 ، وشرح الطيبة 104 - 105 ، وشرح شعلة 291 ، وإتحاف 1 / 441 .